كل خبر بغصّة

لا أدري، ما الذي يجذبني إلى فاكهة السفرجل؟ ولمن لا يعرفها، فهي فاكهة لونها أصفر، وغير ناعمة الملمس، وشكلها بيضاوي، مثل كرة الرجبي الأميركية، إلا أنّها ذات انتفاخات ونتوءات، ولكن طعمها خليط بين سكّر التفاح ومرارة الترمس. إذا أردت أن تفحص صلابة أسنانك، فاقضمها من دون أن تقطعها، ولتكن قريباً من طبيب أسنانك، وخذ السفرجلة المقضومة معك؛ ليبحث لك عن أسنانك الأمامية داخلها، فهي شديدة الصلابة، فغالباً ما توجعني يدي من تقطيعها، رغم أنني استعمل السكين في تقطيعها وإخراج أنويتها منها، ولكن ذلك الخليط الغريب يعجبني جدّاً، ورغم حبّي للتمر السكّري الأشقر مع كأس من الزبد واللبن، فإنها تغريني أكثر. في منزلنا الصيفي الواقع في حواري دمشق القديمة، حيث العمارات المصطفة والشوارع الضيّقة، لو تكلّم أحدهم في الأسفل نسمعه جلياً في الأعلى، يأتينا في الصباح الباكر الباعة، فنسمع طقطقة حدوات الحصان أو البغل في تلك الأحياء، وهو يجر عربته المملوءة بالبضائع، ولكنّ تلك الطقطقة لا تمنعني من معاودة النوم قليلاً. أمّا الذي يبخّر محاولاتي، ويقظي على أحلامي في نومة صباحية هانئة، فهو الصوت الذي يلي توقّف أصوات الدواب، حين يصيح البائع بالمناداة على بضاعته كالبوق في أذني. يشترك الباعة جميعاً في أن أصواتهم جهوريّة، ولكنّ أهدافهم بإخبار أهالي الحي بوصولهم تتحقق، فسرعان ما تأتيهم السلال من الأعلى بحبل يتدلى، وبها المال، والحي كله يسمع الحوار ومفاصلة السعر، أو حين ينزل الأهالى ليختاروا. صيحاتهم كثيرة ومتعددة، فهذا يبيع الباذنجان، ويصيح: أسود يا باذنجااااان، فسواده دليل جودته، وموووز يا كوسااا. أما بائع السفرجل، فيقول: معوووود يا سفرجل، أي انه مناسب لعمل المعود، حيث إن المعود هو المربّى، أو يصيح: ياااا سفرجل.. كل لقمة بغصّة. بدأت الثورة السورية، وخرجت الأفعى «الداعشية»، وانقطعنا عن بيتنا الصيفي وانقطعت تلك الصيحات عن أذني، وبقيت أتابع أخبار بلد عزيز على قلبي، فما يحصل هناك يفوق قدرتي وقدرتنا جميعاً على تحمّل الأخبار السيئة، فهذا طفل من تحت الأنقاض، وهذا منزل مسكون تساوى بالأرض وإخراج أهله بالصوت والصورة، وهذا عجوز جائع، وهذه أم ثكلى، وذلك فقد أولاده السبعة، لا يمكن لي أن أتصوّر نفسي مكانهم، ولا يمكن لأحد أن يعرف حقيقة مشاعرهم، شعب ليس بيده الكثير من الخيارات، فإمّا الدمار وإمّا العيش في خيمة، ولأكثر من خمس سنين وأنا أقضم السفرجل مع نشرة الأخبار عن سوريا، فكل خبر بغصّة.



 https://alqabas.com/95795/

22-06-2016

©2017 by ALEBRAHEEM