بحث

أحمد البزيع الياسين

غالباً ما أردد أنني أعيش بلا ذاكرة، وهذا حقيقي، فاستدعاء معلوماتي التي عشتها بالأمس القريب ليس بسهولة ما يفعله منهم حولي، لكن ذاكرتي تفاجئني أحياناً، فقبل ٣٧ سنة عدنا أنا وأبي من منزلنا الصيفي، وتركنا أخوتي هناك، ووصلنا للكويت، ترك أبي غرفته وافترشنا الأرض لأنام بجانبه في صالة المنزل، ليحكي لي قصصاً من التاريخ حتى أنام، حدثني عن هتلر وموسليني، وأحداث تلك الحقبة التي عاشها وقرأ عنها، وحدثني عن تعاطف الكويتيين مع البريطانيين في حربهم ضد الألمان، وبعد أن نستيقظ، كان، رحمه الله، يتوجّه إلى مكتبه القريب من البنك المركزي، ونصلي في مسجد السوق صلاة الظهر، ونتوقّف عند الآلة التي تبيع المشروبات الغازية، ولشدّة الرطوبة، يتجمّع الندى على زجاجة «الكراش» الطويلة بمجرّد خروجها من الآلة، ليبدء الترفيه في زمنٍ خلا منه.

بعدها بأيّام، توجهنا بالطائرة ليرافقنا صديق أبي المقرّب أحمد بزيع الياسين (أبو مجبل)، الذي يناديه أبي «أبو مقبل»، فهو يتحاشى الكلام بالعامية، وتوجهنا لمناسك العمرة. بعد عودتنا، كان أبي يصلّي قرب بيت عمّي «أبو مجبل»، ويتجاذب معه أطراف الحديث في زاوية المسجد الخلفية لمسجد جمعية الشعب، وبعدها يدعونا العم إلى زيارته في ساحة منزله الترابية، ورغم صغر سنّي، فإنه كان كثيراً ما يلاطفني ويمازحمي.



بعد سنين أخبرني أبي أن بومجبل يطلبني، فذهبت مع أبي، وبعد الصلاة أخبرني أنّه رآني في المنام وقص علي الرؤيا، ومن حينها، أصبحت محظياً عنده، وكثيرا ما تصلني تحاياه، وحين أصبحت شاباً ألتقيه في المسجد، كان يعتب علي ألطف العتب قائلاً: لم لا تزورني يا بني؟ وبعدها بسنين، يأس من زيارتي، وقال لي: ما رأيك أن تزورني في الشهر مرّة؟ يتحدّر من قلبه العطف والطيب والحنان.

كانت صحبته مع والدي ــ رحمهما الله ــ صحبة يتعذر أن تتكرر، فما زلت أذكر انشراح صدريهما باللقاء، وطيب نفسيهما بالحديث، وجمال اختلافهما، وكان العم أبو مجبل يحمل هم الأمة الإسلامية، وأسس أوّل مصرف إسلامي في الكويت، وهو بيت التمويل الكويتي، وكان أبي عضيده، ومن أوائل المساهمين معه.

كانت وفاته شديدة الوقع علي لتقصيري في حقّه، وبعد أن صلّيت عليه، كتبت أوّل مقالٍ لي إلا أنني لم أنشره في الجريدة:

اليوم زرت المقابر، رأيت الجمال ورأيت الحب، رأيت جمال الإيمان، فكل من في الأسفل مؤمن، وجمال الهيبة، فلا صوت يعلو، ولا أحد يغضب، فالخطب أعظم، وجمال العظة، فالموعظة قائمة، والكل يصغي ويتفكر، ورأيت جمال العظمة، فالموت عظيم، وهو بوابة الدخول على ربّ عظيم، ورأيت جمال التساوي، فلا قبر أكبر من قبر، وجمال الانكسار، فرؤوس الزائرين مطأطأة، وليس هنا من يتعالى.

رأيت الحب الخالص، هنا غصن أخضر، هناك شجرة، هذه سعفة نخلة، وتلك جرة ماء، حب لا ينتظر رده بالمثل، ولا يرجو المحب رداً له من محبوبه، حب الأحياء للأموات، حب يعجز العقل أن يسبر أغواره.

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل