بحث

الدّرس الكبير



منذ أن كان خالداً طفل صغير ، ظهرت عليه علامات النبوغ و النباهة والذكاء ، وأصبح يقدّر المال جدا ، وقد أعجبه بريقه فعمل بجد واجتهاد ، وتعرّف الى بعض الساسة ، فتفاجئ بسطوة السلطة وسحر النفوذ، فتقرّب ممن يظنهم كذلك، وقويت علاقته بهم، ولأن مزيج السلطة والتجارة غالبا ما ينجح ، فقد توسّع نشاطه وتعاظمت أرباحه .

ولأنجاز أعماله خارج البلاد، حجز مقعداً في مقدمة الطائرة، فعلى أرتفاع ٣٠ الف قدم، حيث يندر الأوكسجين، وتنخفض الحرارة الى ٥٠ درجة تحت الصفر، مسح خالد يديه بالفوط الساخنة، لتبدأ عربات الطعام زيارتها إليه، تتقدمهم عربة الجبن المجلوب من الريف الفرنسي والزبدة الدنماركية، ليلحقهم الزيتون الاسود الاسباني، والمشروبات المصاحبة، لكنه يفضل زجاجة الماء من جبال الألب، وبعدأن فتحت شهيته للطعام، سيقت له اللحوم الهولندية، و سمك السلمون المدخّن من نهر الدانوب ، إلا أنه قد إختار لحم الضأن السويدي المقدد ، فأكثرمنه و شعر بالامتلاء ورغب بالنوم ، ولما أحس بالنعاس داهمته عربة الحلويات ، فجحظت عيناه ، ورغم ثقل بطنه أشار على إستحياء بإصبعه إلى قطعة صغيرة من الحلوى غمرتها الشيكولا الساخنة ، فمدّ يساره ليستلم صحن الحلوى، لكن مضيفته تأخرت عليه بعض الشيئ لتتبع تعليماتها ، فأضافت بعضا من اللوز وقطعة صغيرة من الايس كريم محلاة بطعم الفانيليا ، ولأن النوم قد غالبه ، إلتهمهم بلقمة واحده وتمدد في الكرسي ، و شرع يتذكر لحظات تمرير بطاقته الائتمانية في جهاز الدفع ، حيث لم تبارحه ذكرى إنخلاع فؤاده بعد ورود إشعار الخصم من حسابه ، فقال بعدها في نفسه ،إن ما دفعته ثمناً لهذا الكرسي ، قد يفوق ما يقدّم لجميع الركاب من طعام ، ولانه هذه الفكرة أزعجته، تناساها لينقض عليه النوم ، فانخفضت الاصوات ، وطفأت الانوار ، لكن جاره لم يتوقف يحتسي نبيذه ولم يذق سوى المكسرات ، وكلما فرَغَ كأسه ضرب الجرس وأُعيد ملئه ، وبعد دقائق ،إرتعشت الطائرة كعصفورٍ خرج من الماء ، وأضيئت الأنوار ، وظهرت علامة ربط الاحزمة ، فعدل كرسيه وانتظر بترقب ، رجفت الطائرة مرةً أخرى وأخرى وأخرى ، فعلم أنها مطبات هوائية قوية ، وأصبحت الطائرة مثل قشة في عاصفة ، وتدلت الأقنعة ، وتذكرخالداً فيلماً شاهده من أيام ، يُشرح فيه أسباب سقوط طائرة نتج عنه ٢٢٠ قتيل ، فتملكه الخوف ، واستفسر من المضيفة ، وهو يعلم أنها لا تعلم ، لكن هذا كل ما يستطيعه ، وبعدها إستذكر أن رصيدة البنكي في وجهته لم يخبر به أحد ، وأن كل ما عاناه سيكون لقمة سائغة لهم ، لا يدري ما يفعل ، يسمع أصوات الهلع ، وصراخ الاطفال من خلفه ، نظر إلى من بجانبه فإذا به قد أفرط في الشراب ، وبدأ يغني ، أعلن قبطان الطائرة أنها مطبات هوائية وسيخبرهم بالجديد في حينه ، إقتلع هاتف الطائرة ومرر بطاقته ، واتصل بصديقه الوزير ، قال أنا في الطائرة وأريد أن أعرف الخبر ، رد عليه صديقه ، أعطني ساعة لأحقق في الموضوع ، رد قائلا: ومن أين آتيك بساعة قلبي سيتوقف ! ، قال له الوزير: أنا سأتصل بك حين أحصل على المعلومة ، ردغاضبا : أتسخر مني ، أعتذر الوزير مقهقها ، أعذرني والله لم أقصد السخرية ، وأغلق الخط ، إنخفضت الطائره في مطب هوائي إنخفاضٍ طويل مريع ، تعلق قلبه في حنجرته ، حينها إلتفت جاره إليه وسأل خالد: ما الامر ؟ قال خالد: مطبات هوائية ، قال ، أنا كثير السفر ، هذه ليست مطبات ، هذه سقطات هوائية ، إنه أمر كبير ياسيدي ، توسعت مقلتا عينيه ، حين رأى علامات الخوف في عيون من لا يمكن له أن يخاف لغياب عقله ، عادت المطبات القوية ثانية ، نظر من النافذة وأذا الارض قد بانت من بعيد ، فقد إنخفضوا كثيرا، عاود الاتصال بصديقه، فرد عليه، سيدي سأصدقك الخبر، أنتم عالقون في عاصفة لا يستطيع القبطان أن يغير إتجاهه لانكم ستتحطمون في محاولة الخروج منها، عليكم الانتظار نصف ساعة أخرى، الله معكم، وبانتهاء المكالمة انقلع قلبه بانخفاض جديد، يسمع فيه دوي محركات الطائرة التي تعمل في إنعدام الهواء بلا فائدة ، لكن دوي نبضات قلبه كان أقوى، غسل جار خالد وجهه ويديه ، ثم رفع يديه يدعوا، لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أشهد أن لا إلاه إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، ثم يعيد ويكرر ، ردد خالد الشهادتين ، شرع يستغفر ، ثم ينظر الى جاره ما يفعل ويقلده ، توقف جاره عن الاستغفار قائلا : ربي أعلم تقصيري في حقك وأعلم ذنوبي التي ملئت السماء والارض ، أسألك بكفالتي للايتام أن تنجيني من هذه ، تعجّب خالد كيف يخاطب جاره ربه ، لكنه قال في نفسه ، لو أنني أحسنت الى أحد وطلبت منه ردّ الجميل لما إمتنع ومن المنطق أن أسأل الله بأعمالي الصالحة أن ينجيني ، تذكّر خالد أعماله الطيبة ، فلم يتذكّر منها شيئ ، حاول وحاول وحاول ولم يجد ، رفع خالد يديه الى السماء وقال : اللهم إستجب لجاري ، وحين وصلت الطائرة الى وجهتها آمنه ، طلب جاره كأسين ، وقال لخالد إحتفل معي بسلامة الوصول، إعتذر خالد ولكن جاره أصر، جامله بشرب رشفة قائلا في نفسه "لقد تعلمت الدرس الكبير، لن أضع مالاً خارج بلدي " .


٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل