بحث

الوردة أو الحديقة



عادةً لا أتناول طول يومي أية وجبة، لكنني آكل بأسلوب النقنقة، وكأنني أُدخل معدتي لقيمات بين الفينة والأخرى ، دون أن أحدث ضجة في معدتي، ففي معدتي تنّين لا أريده أن يجوع فيستيقظ من نومه فحين يجوع، يخرج رأسه من فمي ثم ينفخ ناره فيحرق الطعام الذي أمامي - بالطبع، أنا لست متهم بما هو يأكل فهو المتسبب-، و حين يأتي المساء أرمي لهذا التنين مكافأته (وجبة العشاء) و هي أيضاً مكافأة صبري وحسن إدارتي لإطعام هذا التنين والعناية به ، لكني قبل أيام، عدت إلى منزلي بعد يوم شاق، أرهقني التعب و غلبني الجوع وتوقفت حركتي حين ارتميت على كرسي مائدتي، هناك جلست وقد خفضت رأسي من شدة التعب، ثم رفعته لأرمق صحناً من الخضار المقشّر وسلطة بالزيت والخل وقدرٌ من حساءٍ ساخن، وبلا شعور تجاوزتهم ومددت يدي إلى طبق الدجاج لآكله على طريقة العصر الحجري، فعقلي الذي قد علمته أن يبدأ بالسلطة قد أطفئته غريزة الجوع، واستلم زمامه التنين الغضبان، وبعد أن رميت له هذه القطعة، توقّف عن نفخ ناره وعدت استلمت دفة القيادة، فسكبت بعضا من السلطة لأكمل بها ورفعت رأسي، ووجدت أبنائي لم يبدؤوا بعد، فقلت بديكتاتورية : لا تتحولوا عن السلطة وصحن الخضار حتى أأذن لكم، و بدافع إرضائي أو لأنهم لاحظوا إرهاقي لم يحاولوا المخالفة، وحينما رأيتهم يأكلون قلت لهم لأغير أجواء الجدية، هل تذكرون قبل سنين ؟، لقد كنتم تأكلونه وتشعرون بطعم القاذورات بأفواهكم، فضحكوا، واليوم أنتم تأكلون السلطة وتقولون أنها ليست كريهة، هزّ أبنائي رأسهم وقالوا نعم، فقلت سيأتي يوم ستتلذذون بها، لن نسمح بعقولنا أن تسيطر علينا، نحن من يسيطر عليها.

واليوم وأنا أكتب مقالي عرفت ما قد ألهمني هذه العبارة، فقد مررت سابقاً على إحدى الدراسات التي تبحث في منطقة دماغية اسمها "Relax Zone " أو مكان الراحة وهذه المنطقة هي مركز موجود في الدماغ ، تقول الدراسة إنه بمراقبة تصرفات عدد من الأشخاص وتحديد الدوافع لأفعالهم ، تبيّن أن ٩٥٪ من تصرفاتهم يمكن ربطها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذه المنطقة ، فهؤلاء الأشخاص قد اختلفت مناطق الراحة لديهم وكلٌ منهم يحرص أن يذهب لما يحبه، فهذا يحب الصيد وذلك يحب رفقة الأصحاب والضحك ، وذلك يشرب الخمر وذلك مدمنٌ للأسفار، ووجدت الدراسة أن تصرفاتهم أما أن تكون ترتيباً مباشراً ليكونوا في منطقة راحتهم في المستقبل، أو أنهم يرفعون العوائق التي تمنعهم من الوصول إليها، مثل جمع المال لها، والقيام بالمسؤوليات التي على عاتقهم ليشعروا براحة البال، إن كانوا ضمن هذه المنطقة ، وفقط ٥٪ من تصرفاتهم لا يمكن ربطها بمنطقة الراحة، والمقصد من ذكرها هو أننا يوماً ما قد حددنا مناطق الراحة لدينا ، لكن هذه المنطقة ستحدد ما نفعله طوال أعمارنا وتصرفاتنا ، فهل نقبل أن تسيطر علينا عقولنا ونحاول أن نبقى نكرر متعة نحن خلقناها لأنفسنا ، أم نتدخّل لنغيرها ؟

وقبل أيام علمت بدراسة أخرى حول " علم النفس في تغيير السلوك " أظهرت الدراسة أن فارق بسيط قد يحوّل الإنسان من سمين إلى نحيف ، وهذا الفارق هو الحزم في التعامل مع الأفكار والنفس ، حيث أن من يتناول كميات أكبر هو الشخص الذي يقول لنفسه دائماً "هذه آخر لقمة "، بينما الآخر يقول في نفسه " لقد انتهيت، سأتوقّف " ، كما تبيّن أن الحزم في التوقّف عن الطعام يساعدنا أن تكون إرادتنا أقوى بينما من يتساهل تضعف إرادته فيتساهل أكثر وهذا ينطبق على من يدمنون الجنس والخمر والمخدّرات .

لكن الموازنة بين ما يمتعنا وبين ما ينفعنا أمر محيّر ومعقد ، فالمتع لن ترفعنا في سلم البشرية ، بل هي كفيلة بتحويلنا إلى حيوانات بشريّة ، تكرر غرائزها و محصلة حياة الكثير من البشر ستتحول الى تكرار لمتع يحبّها ، وإذا ما حسبنا ماذا ستضيف هذه المتع لنا ولقيمتنا ومستقبلنا ، ولا أعلم أحد رفعته متعٌ كان يفعلها ، بل هو العلم والأخلاق ، ومثل من يبقى مع ما يمتعه ويكرره بلا شعور ، كمثل شخصٍ أعطي كوبون مجاني للتسوّق ينتهي بنهاية يومٍ معين - وهذه هي أعمارنا - وبقي في السوق يتسوّق ( متعنا ) حتى طرد من السوق ولم يحاسب ( دفع الحساب هو ما ينفعنا ) فبماذا سيخرج منه ؟ أو كمثل شخصٍ دفع رسوم الدخول لحديقة بها نهر وحيوانات أليفة ومروج ،فأعجبته زهرة عند الباب فانخفض يشتمّها ، وبقي على بطنه حتى أغلقت ولم يحظى بما تبقى منها فالحياة بها الكثير من المتع لن نعلمها أن لم نبحث عنها ونتعلمها


( لا أدعو هنا لهجر المتع فهي ضمان استمرارنا أحياء وتبقى الحياة جميلة في عيوننا ولكنها دعوة للموازنة بين ما يمتع وبين ما ينفع ، أو هي دعوة لاستبدال بعض متع اليوم مع متع ستمتعنا بالغد لكنّها لأتمتع اليوم )

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل