بحث

حكمة الحكيم



منذ قرون ، توقف نزول الوحي ، وغاب جبريل عليه السلام عن البشرية جمعاء ، بعدها لم ينزل الله أي علم جديد عن دينه، و لن يكون هناك نبي ، وحتى عيسى عليه السلام سينزل من السماء ، الاّ أنه لن يوحى إليه ،فهو على ملة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الله لا يزال يخاطبنا في كل يوم تشرق فيه شمسه ،لكنه سبحانه لا يخاطبنا بأقواله ، إنما يخاطبنا بافعاله .


فما تسقط من ورقة الا هو سبحانه يعلمها ، و لا تغفو أو تنام الا بامره ، فاذا إستيقظت علم أفعالك كلها "وهو الذي يتوافكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار" ثم يخاطبنا بافعاله لانه يريد الخير بنا "وبلونهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون " ، فالله يبتلينا ويعذبنا في الدنيا الا أن عذاب الاخرة أشد" كذالك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون" ولانه سبحانه خير مطلق ، فهو يريد الخير بنا ولانه عادل ولا يظلم الناس فيبتليهم بالخير والشر ليتفاضلون " ألَمَ ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنّا الذين من قبلهم فلنعلمن الذين صدقوا ولنعلمن الكاذبين "


وقد ذكر القرآن قصة أصحاب البستان ذو الاشجار المثمرة ، حيث كان صاحب البستان شيخ اشتهرت عنه الصدقة ، وكان له أبناء ثلاثة ، وقد قسم ماله ثلاثاً، لاصلاح الارض، ويعيش عيشة الكفاف مع أبنائه ، ويتصدق بما يفيض عن حاجته ، فلم يدّخر ، ولم يكن يعجب أولاده ، فلما توفي الشيخ الصالح اتفق الاولاد الثلاثة على أن يستفيقوا من أول الصباح ليحصدوا قبل أن يأتي المساكين على عادتهم مع أبيهم ، فيأخذوا ما تعودوا أن يأخذوه ، "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين " وتعاهدوا أن لا يتراجعون ولا يستثنون أحد من المساكين " ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم" فأرسل الله إليهم عذابا من عنده ليعذبهم في الدنيا خوفا عليهم من عذاب الاخرة فالزكاة حق الله على العبيد ، فأصبحت كالصريم أي كالليل المظلم ، فاستيقضوا باكراً وتنادوا "فتنادوا مصبحين* أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين* فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين * وغدوا على حرد قادرين " أي مستجدين بعزيمتهم ، " فلما رأوها قالوا إنا لضالون ، بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون * قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين" وهنا تذكروا ، فقد علموا أن الله يخاطبهم بأفعاله وقالوا "عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون " ، ولم تنته القصة هنا ، فكل العبر في هذه القصة لا تضاهي العبرة في الاية القادمة ، ولنستمع الى الرب سبحانه ( الذي يريد بنا الخير) كيف يعقب على القصة " كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" ، ولنقف عند كلمة " لو كانوا يعلمون " ، فكم خاطبنا الله ونحن لا نعلم ، وكم فاتتنا من عبر ، وكم أصابنا من خير أو شر ، فتنعمنا أو قاسينا ونسينا أنه إبتلاء وهوينتظرنا نرجع ، وكم تجاوزنا المصائب فلم نبحث عن ما نغيره بانفسنا.


لكننا أحيانا نعجز عن تحديد مخاطبة الله لنا ، وهنا يجب أن نفهم جيداً أن أفعال الله هي "كل عمل ما نعجز أن نصل التصرف أو التحكم فيه " فهذه الافعال هي موضع مشيئة الله وإرادته وهي موضع اختبارنا، فأن إحترق بستانك أو مات قريباً لك أو تسلط عليك عبداً من عبيد الله عليك ، فكلهم من أفعال الله ولو كنت تظن أن سبب الحرق هو إهمال ولو كنت تظن أن سبب الوفاة هو تصادم أو ظننت أن فلان هو متسلّط ، فالله قد وافق عليها جميعا قبل وصولها اليك "ما اصاب من مصيبة فى الارض ولا فى انفسكم الا فى كتاب من قبل ان نبرأها " أما ما نستطيع الوصول الى التصرف فيه كأن نتعمد الحرق أو القتل فهذا من اختيارنا ولو كان قد سبقه علم الله ، كما أن الاصل " أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسم " وإذا تغير أمر من افعال ربنا لنبحث عن أخطائنا ، فلربما أخطئنا برحم مقطوع ، أو زكاة مستحقة ، أو بر واجب ، ولربما قد تغيرت نيتنا ، كما فعل أصحب القصة السابقة ، وطبيعة النفس البشرية ، لا تبحث الا عن ما يدعِّم رأيها ، فلذالك لا نرى أخطائنا كما يراها الاخرين ، فعيوننا لمشاهدة افعالنا هي عيون النحلة اللتي تبحث عن الازهار لتنظر اليها فلا نرى أشواكنا ، بينما أذا ما خاطبنا الله بافعال توجب علينا أن نستبدل عيون النحلة بعيون الذبابة التي لا تقع الا على الأذي لنكتشف حقيقتنا بهذه العيون ، والامر ليس باليسير الهين ، الا أن سماع مخاطبة الله تستحق ذلك ، لنعلم حكمة الحكيم منها.

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل