بحث

زُقاق أبو حيان



حين أحدث الآخرين ، أتلصص على عقولهم ، ويستهويني التجوّل فيها، والتنّزه في أزقتها ، و لثقة أصحابي بي ، تفتح لي أبوابٍ عقولهم المحكمة ، وترفع أبواب قلاع عقولهم الحديدية، فأتجول في ذلك الزقاق ، كما أتجول في زقاق مدينة قديمة ، وكأنني قد زرت النمسا ومررت بأزقة سالزبورج القديمة ، أرقب مبانيها العتيقة ، وممراتها الضيقة ، وأسأل نفسي عن عمر تلك الدكاكين ، وأتسائل عن من عاش فيها ، وأتوقف ألحظ صورة علّقها دكان بالسوق، يظهر منها أنها لذات الدكان المعلقة فيه ، وفيه ذات البضاعة ، لكنها بالأبيض والأسود ، وفي هذه الصورة يظهر أشخاص كانوا في زمنٍ الكل فيه يلبس الطواقي العالية والجواكيت الطويلة يقفون بجانب ذات الدكان ، فأعلم منها أن عمرالدكان قد تجاوز ال ١٠٠ عام ، وهنا أعود أنظر لزقاق سالزبورج ، لأغيب في رحلة الزمن الماضي ، وأتوقف عند شاباً يعزف أسفل منزلٍ ولد فيه موتسارت سنة (١٧٥٦) أشهر موسيقي ذلك القرن، أستمع إلى معزوفات موتسارت قليلاً ثم أنصرف، ورغم سحر تلك المدينة بمبانيها العتيقة وبمعزوفات موتسارت الرقيقة ، إلا أن نزهة العقول تسحرني أكثر، ففي أزقتها أتمتع برذاذ مشاعر محدثي ، ولربما تزيد هذه المشاعر فتبللني أمطار عاطفته بشعور إحباط يتملّكه أو أسى يعتصره ، فأحاول أن أشاطره مشاعره ثم أغير الحديث كي لا أشعر بالإحباط أو بالأسى معه ، فعقولنا تحاكي عقول محدثنا و تفيض بذات المشاعر ، وأهرب إلى زقاق آخر ، حيث يحدّثني عن ذكرياته ، ولأن ممر الذكريات في عقولنا يغلب عليه أن يكون الأجمل ، فهو ممرنا المزيّن ، ودهاليز ذاكرتنا تغطيها الخضرة ، وتزين شرفاتها الازهار ، كما يفعل أهل سازبورج.


ومن تلك الدهاليز تتكون أعجب الشخصيات ،في سنة ( 414 هـ ) توفّي أبو حيان التوحيدي الذي قد عاش في العراق ، كان أحدى عجائب الدنيا، ملأت رأسه العلوم ، وتقاطرت من فمه قطرات الأدب ، يقول عنه صاحب كتاب " معجم الأدباء" شيخ الصوفية ، وفيلسوف الأدب ، وأديب الفلاسفة ،،، لا نظير له ، ذكاء وفطنة وفصاحة ومكنة ، كثير التحصيل للعلوم ... " إلا أن دهاليز عقل هذا الفيلسوف الصوفي ليست كلّها جميلة ، فهناك دهليز آخر يكشفه العالم الجليل ابن الجوزي ، فيقول أنه "زنديق" ويكشفه الذهبي الذي يصفه ب"الملحد" كما ذكره ابن حجر ب"الرجل المنحل" ، لكن زندقته وانحلاله لا يغيران من كونه عالما لم يدع علماً من علوم عصره إلا أتقنه وكتب الكثير من الكتب التي أدهشت من بعده مثل كتاب "الإمتاع والمؤانسة" والذي يحكي فيه زيارته لوزيرٍ بغدادي ، يحدثه ويؤانسه ، وكان يرجو منه أن يقربه فأظهر له علومه ، وغلّفها بالحكمة ، وجمّلها بالأدب ، لا يمكن لقارئ الكتاب إلا أن يتمتّع بقراءته ويأنس بحديث أبو حيّان ، ففيه تعظّم الأخلاق و تذم الرذيلة و تكاد تشك أنه شعراً من فصاحته .


لكنه قد عجز أن يترجم ما يقوله أو يلزم به نفسه واسمعوا لما يقول عن نفسه "ولقد اضطررت بينهم ,,, الى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة والى بيع الدين والمرؤة والى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق , والى مالا يحسن بالحر ان يرسمة بالقلم, ويطرح في قلب صاحبه الألم".


وكأني أمشي في أزقة عقل أبوحيان ، وأرى خصومة سكانها ، ففي زقاق العلم ، علقت لوحات كتب بها أن الرزاق هو الله ولو تبق آية في كتاب أو حديث أو حكمة إلا وقد علمها هذا الزقاق ، فسطرت في كتبه ونطق بها لسان ، إلا أنه حين تضيق الدنيا عليه ، نجد أزقة العمل في عقل أبو حيان ، تخالف أزقة العلم أشد المخالفة ، وكأن الزقاقين قد تخاصما ( العلم والعمل ) ، فقليل من الإيمان كفيل أن يجعل يديه ترتفعان ويسأل الله الرزق ، وقليل من الإيمان وبعضاً مما يعلم كفيل أن لا يبيع الدين بالدنيا فهي خسارة الآخرة ، التي يبيعها ، وخسارة الدنيا لأن الله هو الموفّق فيها ، ولذا رغم كل نفاقه وبيع دينه ليشتري دنياه ، إلا أن ذلك لم يصلح له حاله ، فقد قتل هذا الوزير بعد فترة من لقاء أبا حيان ، ولما انقلبت بأبو حيّان الأيام رأى أن علمه و كتبه لم ينفعانه وبخل بهم على من لا يعرف قدرهم، فجمعهم وأحرقهم، ولو أنه أعمل الصبر وحسن ظنه بربه ، كما يعملهما على لسانه لأصلح الله له شأنه ، ولذا كلّما تجوّلت في عقول مزينة بالحكمة والفصاحة بحثت فيها عن خصومة أزقّة أبو حيّان.

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل