بحث

شكراً لعطفك يا وطن



عادة لا أكتب في السياسة ولكني لن أبخل على وطني بقلمي ، وأن كنت أعلم أن قلمي لن يستر جسد وطني العاري ، فقد تنازعنا ثوبه وانقسمنا قسمين، وكل منا قد وقف يجذبه باتجاهه، ونسينا أن هذا الوطن يقف عاريا وهذا ثوبه الذي قد ستر عورته وهو ماء وجهه .


وبالرغم من أنني أعلم أن أغلب من يقرأون مقالي قد اصطفوا مسبقاً إلى أحد الجانبين (الحكومة أو المعارضة) وبالتالي فإن القارئ سيبحث تلقائياً بين سطوري عن توجهي الشخصي في هذه الأزمة، إلا أنني سأقطع الطريق وأخبركم أن قلمي في المنتصف، وما أحاوله جاهداً أن أمسك موطني الذي قد آواني و احتضنني ورعاني كي لا يتقطّع بين فريقين متجاذبين ولا يشق ثوبه .

فالحل لا يكمن في الاصطفاف إلى أحد الجانبين فكلا الجانبين لديهم من الصواب الكثير ، ولكن الحل في التعقل والتدبّر لكلا الفريقين ، بأن نكشف للفريقين عواقب الأمور فكلاهما على ذات القارب ، ولا أريد من كلا الفريقين أن يقللا من وزن الآخر فيسحبا بشدّه وبعدها يتقطّع الوطن ، ولأني أريد للنقاش أن يبدأ، للوصول إلى مصالحة دون تعطيل المصالح ودون هدر للدماء .

والسياسة هي باختصار تمثيلٌ للمصالح، لا أقل ولا أكثر، فهذا يمثّل مصالح فئة وهذا يمثّل مصالح فئة أخرى والكل يدّعي أنه حريصٌ على وطنه وكل يدّعي وصلاً بليلى، وفي السياسة غالباً ما تكون الأمور غير يقينية، إلا أنني متيقّن أن وطني هو المتضرر من كلا الفريقين .


وما يحصل الآن من حزم إلا طريق مختصراً للعنف، والعنف يولّد العنف كما شاهدنا من أشقّائنا ولا العجلة لا تريد من يخترعها، فالموازنة بين الحزم والحكمة هو الحل ولأن أزمتنا السياسية معقّدة ، فالحل البسيط باستخدام القوّة والحزم هو نوع من السذاجة ، وبأس المشورة تلك ، فالوضع السياسي معقد لدرجة ومن يريد الحل دون فهم التعقيد هو كمن قد دخل مفاعلاً نووياً ووجد سائلاً يخرج من تحت باب المفاعل ، فانخفض ووضع اصبعه وتذوقه !

وسأقف على بعض صور التعقيد السياسي ، فنحن نقع ضمن جزء من عالم يغلي فالتأثيرات للأوضاع الخارجية لا بد أن تأثر لشعب يشاهد التلفاز بمعدّل عالِ ، كما أن نسيجنا الاجتماعي يشكّل الشباب أغلب نسيجه ، وهو ذو الصوت الأعلى في تحديد نتيجة صناديق الانتخاب ، كما أظهرت النتائج في ٢٠١٢ التي أظهرت تطرفاً واضحاً ضد كل ما هو توجه حكومي ( بسبب فداحة الأخطاء الحكومية وليس بسبب تنظيم صف المعارضة) وبالتالي كانت كتلة الأغلبية كبيرة بسبب اصطفاف أخطاء الحكومة الى جانب كتلة المعارضة ، ومن اطلع على سيكولوجية التفاوض ، فانه يكون في بحث نقاط التنازل من كلا الفريقين قليلاً قبل الاصطدام وسأوجه لكل منهما أسئلة ، ليعيد كل منهما احتساب معادلات قوته ، و ليعلم أنه ليس دائما على صواب ليبدأ التراجع منهما ويتنازلا وتبدأ المصالحة، وسأبدأ حديثي لمن يسحب ثوب وطني باتجاه المعارضة فأقول لا تسحب بشدة :

ألا تعلم أن الشعوب التي نزلت للمظاهرات، كانت تبحث عن كسرة خبز بينما نحن شبعى؟

ألا تعلم أن الشعوب التي تظاهرت كانت مكممة الأفواه بينما نحن نتكلم ؟

ألا تعلم أن الشعوب التي تظاهرت هي شعوب لم تكن تشارك السلطة بأي شكل من الأشكال ، بينما نحن نفعل ؟

ألم تعلم أن نزول الآلاف الشوارع هو دليل قوتك ؟ فلم لا تتحلى بحكمة القوي القادر وتفاوض دون استعجال قبل ان يصاب أحد أو تهدر به الدماء؟

ألا تعلم أن الصوت الواحد هو نظام جيّد للانتخابات وكلنا نعلم أنه ليس أساس المشكلة ؟ وستأتي برلمانات تغييره إن أرادت فلم الاستعجال ؟

وأقول لمن يسحب الثوب باتجاه الحكومة فأقول لا تسحب بشدة : ألم تعلم أن ما يحصل ببساطة هو امتداد لرفض الحكومة لسلطة الأغلبية؟ أوليس الأغلبية هم اختيار الشعب ؟

ألم ترى عشرات الآلاف نزلوا الشوارع ؟ ألا تظن أنها إشارة واضحة لا يجب تجاهلها ؟

ألا تعلم أن كل قرون استشعار الحكومات التي سقطت لم تكتشف الثورات ، فلم تراهن على قرون استشعار حكومتك ؟

ألم تعلم أن الحكومات الماضية هي المسؤولة سياسيا عن الفساد وعدم التنمية بصفتها السلطة التنفيذية؟ ألا يحق للشعب الامتعاض أو الغضب !؟

ألا تود كما يود كل غيور أن تعرف حقيقة الإيداعات المليونيرة ؟

وأسألك أخي القارئ : هل نظن أن مخرج أزمتنا هو في الاصطفاف مع أحد الفريقين والتشجيع ، فتشتد المنافسة باشتداد التشجيع، و نتحوّل من السؤال : من الرابح ؟ الى التأكد أن الوطن هو الخاسر الأكبر! فالعاطفة والتشجيع لمن نحب ونرغب هو تعقيد إضافي للمشكلة

بالتأكيد ان الحل هو بان نتوقف تشجيع ونطالب الحكومة بتقديم التنازلات التي فيها كل الحق للمعارضة و نطالب المعارضة بان تقدم تنازلات التي فيها الحق للحكومة ، وحين نوقف من يحاول ان يحفر سفينتنا ستسلم ، وما أحاول الوصول إليه من هذه الأسئلة السابقة هو أن أعطي سبباً وجيهاً لكلا الطرفين، ليرخي كل منهما ثوب وطني قليلا ويقدم تنازلات ، فيسلم ثوبنا ويستر جسدنا وننعم بالأمن ، وقد قال أهلنا قديماً " ما ينشق الثوب بين عاقل ومجنون" فالمجنون إن سحب الثوب اتجاهه أرخاه العاقل قليلاً!


كنا بأزمات وجوع

فأيقظتك منا الدموع

فخلطت لحمك في دمك

ووهبتنا نفطًا نبيع


شكرا لعطفك يا وطن


كفرنا طيبك والادب

وجمعنا الفضة والذهب

ونسينا أنهما حشاك

لكن عفوك قد غلب


شكرًا لعطفك يا وطن

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل