بحث

قصة التّكبّر



في أكرم المجالس ، يقترب الأكارم من أكرم الأكرمين ، وهناك يختلف التكريم ، فلا يُؤذن بالحضور لمن جَمّل هيأته ، أو حسنت صورته ، وإنما لمن صلحت سريرته و استقامت أفعاله ، فقربه من ربه أعظم المكافآت .


ورغم أن هذا هو الأصل، إلا أن إبليس الخسيس قد أُذِن له بالحضور، رغم فساد في سريرته، لكن حكمة الحكيم، أرادت له الحضور، فرغم فرحته بالإقتراب وشعوره بالتكريم، إلا أن التكريم لم ولن يكون له! فقد كان لنا حيث أُمر الحاضرون بالسجود لمخلوق جديد خلقه الله سبحانه بيده ، وأُمر كل الحضور بالسجود له ، لكن إبليس إستحقرنا ولربما نظر إلى خِلقَتِنا كما ننظر نحن اليوم الى الدواب فهو مخلوقٌ من النار ، ضخم البنية ، عزيزٌ في قومه ، فكيف ينخفض لنا !

ولهذا السبب دعي الخسيس الذي أبطن الشر، وأظهر الطاعه فكشف الله معاداته لنا لسبب بسيط لأننا و الشياطين سنتقاسم العيش على هذه الكرة ، وهم يرونا ونحن لا نراهم ، فلابد أن نعلم شرهم لنتقي كيدهم.


خالف إبليس أمراً واضحاً من الجبّار بالسجود ، فخاطبه ربه مستفسرا عن امتناعه " مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي " ؟ ، رغم أن الرب سبحانه يعلم الإجابة قبل أن يسأل ، لكنه يسأل ليجعل المسؤول يقر بما خبّأه قلبه " أستكبرت أم كنت من العالين " ؟ ولأنه سبحانه يعلم الإجابة فليس هناك احتمالات لأسباب امتناعه عن السجود ، فالاستكبار والاستعلاء كلاهما نتيجة واحدة لعمل قلبي اسمه الكِبِر ، و فُضح هذا الخسيس ، وعلم إنه سيطرد من مقامه الرفيع ليس لامتناعه عن السجود ، فالله من يغفر الذنب - حيث غفر الله لآدم - لكنه سيطرد لأن مجلس الله أعز من أن يحضره من يحقر خلقاً من خلقه "قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين " .


في ذلك الزمن السابق ، علمت الشياطين أن أسهل الطرق لنتساوى في الذنوب معهم هو أن نتكبّر مثلهم فأبوهم قد ذاق عقابه المعنوي بالطرد وسيذوق عقابه المادي بالحرق ولأن جعل بني آدم يتكبرون هو هدف عظيم بعيد المنال ، جعلوه خطتهم الطويلة لنا ، يغرسون فيها بذور الكبر في أنفسنا غرساً وتقسّم ثلاث مراحل حتى لا نكتشفها ، ففي المرحلة الأولى وكلما فعلنا فعلاً طيباً ولو كانت طاعة ، رفع الشيطان يديه لنا بالتصفيق موسوساً ، ثم يعاود جلب محاسننا وجميل صنائعنا - في أذهاننا ولا يمكن لنا أن نعلم هدفه حينها ، لكنه يشجعنا عليها لا لنكررها ، بل ليغرز إسفيناً يربط عليه خيوط وساوسه ويهيئنا للمراحل المقبلة ، وبعد أن يرينا جميل أفعالنا ، ويعظّم أفعالنا بعيوننا ، ينقلنا إلى مرحلته الثانية وهي أن نحقّر أفعال غيرنا، وبالرغم من أن كل إنسان يقوم بهذين التفكيرين دون وعي إلّا أن الشيطان يؤكد عليهما بوعي وخطة مدروسة ، فتكرار تحقير أفعال الغير وتكرار تعظيم أفعالنا كفيلان بتهيأتنا لمرحلته الثالثة التي نتساوى معه فيها بالتكبّر على خلق الله ، وفي هذه المرحلة تعقد المقارنة بين ما نعظمه لدينا وبين ما نحقّره لدى الغير فيدخل الكبر في قلوبنا ونستعلي على خلق الله بأن نحقّرهم ونعظّم أنفسنا .


ولأن المتكبّر غالباً ، يحتقر من ينصحه ، ويرى في نفسه مرتبة أعلى من الناصح لذا لا يرجى شفاؤه ( إن كان في المرحلة الثالثة) أما في المراحل الأولى فإن علاجه إن يحقّر نفسه ، ويعظّم من يحقره حتى تستقيم نفسه على أن لا تحقر خلقا خلقه الله.


ومما يوجع القلب أن الكبر يحرص الشيطان أن يغرسه في قلوب أهل الطاعة قبل أهل المعاصي ، ليغرس قنبلته التي تفجر طاعاته بكبرٍ خفي لن ينصحه فيه أحد ، وترى الرجل أو المرأة الصالحة قد أطلقوا يديهم بالخير ، وجاد لسانهم بالذّكر ، لكن هذا الرجل رغم حرصه على صلاة جماعة ، يقف الفقير بجانبه ، فيتأذى من رائحة عرقه ، فلا يحمد الله على فضله بأن رفعه وخفض غيره ، بل قال في نفسه "كيف يتعدى هذا الجاهل على المسجد برائحته ؟ " وينسى ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن بال في المسجد ، فيذهب أجره بتحقير خلق الله ، و يضيع عمله باستعلائه عليه ، ولربما أظهره لسانه.


لكن غبار الكبر لا يكاد ينجو منه أحد ( نسأل الله العافية )، فكثيرٌ من الناس يتكبر بماله ، أو بوطنه وجنسيته ، أو بطوله أو بقوته أو جماله أو نسبه أو بمنصب أو بوظيفة ولا يعلمون ماذا يقول الله في الحديث القدسي" الكبرياء ردائي ، فمن نازعني في ردائي قصمته" (صحيح ) ويقول صلى الله عليه وسلم "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر "( صحيح )، فهل سينجح إبليس في غرس حبة من خردل في قلوبنا قبل أن نموت ؟

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل