بحث

متعة أم سعادة



في جو ربيعي منعش، جلسنا نحتسي كوبا من الشاي خاليا من السكر أنا وصديق، و بعد مجموعة من الحوارات تفاجأت بسؤاله لي: هل أنت سعيد ؟. لم أكن مستعداً لهذا السؤال لكن حضرني نقاش أدرته مع أولادي بذات اليوم فقد سألتهم عن الفارق بين المتعة والسعادة، وربطت المتعة بالجسد من مأكل ومشرب وكل حواسنا، وأخبرتهم أن المتع كثيرة فالعين متعتها النظر الى الجميل والأذن متعتها سماع الجميل والفم متعته الاكل اللذيذ والفكر متعته القصة الشيقة فالمتع ترتبط بالجسد، أما السعادة فهي أنتاج فكري، وخلق الانسان يخلقه وبيت خشبي الانسان يبنيه ثم يعيش فيه، والسعادة هي حالة من الاحساس تتشكل عند اجتماع مجموعة من العوامل والشروط، لكنها شروط يضعها الانسان لنفسة فأن تحققت ظن أنه سعيد. ولذلك نرى كثيراً من الناس قد اجتمعت لديه كل المتع الا أن من شروط السعادة لديه، أن لا يكون لديه أي أذى! فتجده سريع الغضب و معدوم السعادة .

لكن السعادة الكاملة لا وجود لها فالأصل في الدنيا النقص وليس الكمال، وهذا واقع نراه ونلمسه فالنقص قائم فينا وفي اولادنا واهلنا وبيتنا وجيراننا وفي كل زمان نعيشه وكل مكان نوطؤه، فالناس بها عيوب والاماكن لها عيوب والآلات بها عيوب ولو ظننا كمالها (فالكمال المطلق) موجود لكنه اما محبوس بين قوسين - حبسته الاحرف - فلا يخرج للواقع وإما حبسه الغيب وللوصول اليه يتوجب الموت أولا .

والكمال لا يوجد إلا في يكون النقص فالنقص هو الشيء الوحيد الكامل، فكمال النقص تجده بحضور النقص في كل زمان ومكان وتجده مهما حاولت تفاديه، وتجده مهما استعددت له وتجده معك ومع غيرك يتغير معنا فنولد صغار وينقصنا المال وتنقصنا الحرية وتنقصنا المعرفة ، ويأتينا الشباب وتنقصنا الحكمة وتنقصنا الخبرة وندخل في النضج وتضيق أوقاتنا وينقصنا الفراغ أو الراحة أو راحة البال، فالمسؤوليات كثيره ، وتدخل الكهولة وتنقصنا الصحة وينقصنا الشباب والوسامة أو الجمال فكمال النقص واضح لأنه صنع الذي أتقن كل شيء خلقه.

ولذلك لن نصل الي السعادة بان نغير الواقع لأنه ناقص ولكن بخفض سقف رضانا وشروطنا للسعادة ليصبح يناسب الدنيا ذات النقص ،ولتوضيح الفكرة اسوق مثال ، عندما نحجز في الدرجة الاولي بالطائرة فأننا ندفع ٤ اضعاف من ركبوا خلفنا فنحن نغير الواقع للحصول علي واقع افضل ولأننا بدار نقص فقد تقلع الطائرة ونكتشف ان كل ما دفعناه قد ادي الي ضمان جلوسنا بجانب أسوء شخص في الطائرة وقد نجده سكران لا يسكت ولا يوجد مكان لتفادي ريحته وهرجه ولذلك فان شروطنا للسعادة ستنقلب من شروط للسعادة الي ضمان للتعاسة ، وسوف يعلق هذا الراكب بين واقع مرير لا يمكن تغييره وبين وشروطه التي وضعها للسعادة والتي لم يتحقق منها شيء ،ولذلك اردت ان اوضح ان السعادة هي مصنوع صنعناه من شروطنا ، وبيت خشبي نجرناه من افكارنا و وحيث ان طريق تغير الواقع مستحيل فلا حل لنا سوى خفضنا شروطنا للسعادة فكلما صارت متطلباتنا للسعادة اقل صرنا اقرب الي السعادة.

ومن يهيأ نفسه لعوارض الدنيا ويخفض شروطه للسعادة تجده أكثر سعادة ممن يشترط الكمال لنيل السعادة ، فمن يجتمع بأصحابه ولا يشترط الكثير ويجامل الجميع ويقبل بمن حضر ،تجده سعيد ولو فتشت قلبه لوجدته يحب بعضهم ولا يحب بعضهم الاخر ، الا أنه لا يشترط أن يحضر من يحب ليسعد أو لا يحضر من لا يحب، فهو راضي بمن حضر وعاذر لمن غاب وقابل بقليل من الأذى ثم نلتفت الى شخص آخر يشترط أن لا يحضر البعض لأنه لا يحبهم ويحرص ويشترط ويدقق على حضور من أحبهم فيشغلهم شاغل ولا يحضرون فتجده محروم السعادة، ضجور وقلق .

ولو كانت السعادة بشروط الكمال، لما تقافز ١٠ أطفال جياع فرحا بدخول أبيهم يحمل عشاء لا يكفيهم ، ولم نرى ضحكات هذه العائلة تعلو بينما يسكنون في بيت مكون من غرفة واحدة !.

رجعت الى صاحبي الذي يريد أجابه سؤالي "هل أنا سعيد ؟" وقلت له : أنني أرى الدنيا ناقصة وأرى نقصها كاملا ، فلا يمكن أن يحصل الانسان على كل ما يريد ولا يمكن أن يصل الى الكمال وذلك ( لنظل نبحث عن الكمال الاخروي ) فشروط السعادة لا تخلق السعادة ، ولا وسيلة تسهل نيل السعادة وتخفض شروط السعادة سوي الرضا بما كتبه الله لنا واختصرها الرسول صلي الله عليه وسلم فقال " ارْضَ بِما قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ " .حسنه الالباني ، فالسعيد هو من يخفض شروطه للسعادة ويرضى بالقليل .

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل