بحث

مسجد أوهامي




فيه ، أقف بخشوع ، لا تشاغلني الدنيا ، أدرك تكبيرة الإحرام في كلِّ صلاة ، وحينما أنهي صلاتي، أدور بجسدي صوب جاري المصلّي، لأسلّم عليه مبتسماً، وأتعرّف عليه، وقفت أصلّي يوماً فاصطكت قدم جاري بقدمي، وأحسست باهتمامه الشديد للإصطفاف، لقد أراد أن يستقيم للقبلة بعد كل ركعة، فصافحته بعد الصلاة، وسألته عن أحواله، وسألته عن فعله، فقال : أريد أن أستقبل القبلة بكل أركاني ، وأريد أن أكون جنديا في صف مستقيم ،أو كصخرة في جدارٍ متسق ، فقلت له ألم: يشاغلك ذلك عن الخشوع، فأجاب، بأريحية، نعم لكنني أعود لخشوعي بعد أن تلتحم قدمك بقدمي لنكون مدفعاً قذيفته الإيمانية لو أطقلت أصابت الكعبة، فنقوّم إعوجاج أقدامنا لتستقيم، أعجبني قوله لكنني أردت أن أصحح خطأه فقلت : هل سألت نفسك : لِمَ لم يخلقنا الله مدافع ؟ قال ماذا تقصد؟، قلت له : ألم ترى جسدك ، هل تعلم به شيء مستقيم ؟ فأطرق يفكّر، فقاطعته قائلا: لم تحمّل نفسك فوق طاقتها ؟ ألا تظن أنك تركت الخشوع وهو لبّ الصلاة وانشغلت في الإعداد للصلاة الذي ينتهي بعد أن تشرع فيها ؟ فقال سأستفتي شيخي، فقلت له مبتسماً لا تنسى أن تستفت قلبك!.


وذات يوم دخلت ذلك المسجد ، فكبّر بالصلاة رجل لم يطفأ هاتفه ، فأخذ يرن ويوقفه ثم يرن أخرى وبعدها يرن، وفي كل مرة يخرجه من جيبه ليوقف رنينه، ولينظر لمعرفة المتصل ثم يدخله في جيبه، وحين سلّم علي صافحته بحراره وكأني أعرفه، وبعد أن تعارفنا قلت له : أتقبل النصيحة ، قال نعم وبكل تأكيد ، قلت له : هل الصلاة من المناسك والشعائر، قال : نعم ، قلت له: هل تريد أن تأخذ أجر تعظيم الصلاة في قلبك ؟ قال : كيف ؟ قلت : أسمعت قول الله " وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" لو عظمتها لأطفأت هاتفك ، فشكرني وانصرف


وفي ذات المسجد ، كبّرت بصلاة العشاء وكنت جنب الحائط، فدخل المسجد مصلٍ مستعجل فأراد أن يدرك الركعة، فانحشر بيني وبين الحائط وغمرتني رائحته ، فسلمت عليه بعد الصلاة ، وسألته مبتسماً: هل ضاق بك المسجد لتصلّي في موضعٍ يضيق بقط ؟ فضحك وقال : لتكن أريحياً وتوسّع لأخيك المسلم، ولا تحرمنا من أجر الصف الأوّل ! فقلت له: هل ظننت أنك ستؤذي من يصلي بجانبك برائحة دخّانك ، قال : ممكن، نعم، نعم، ثم قطّب جبينه متحمساً ولكنه لن يمنعني عن دخول المسجد، فالصلاة أهم ، قلت له : أتعلم أن الأذى هو الحرام الذي يدخلك النار إن فعلته أو الجنة إن منعته ؟ قال كيف ؟ قلت ألم تدخل إمرأة النار لأنها كانت تؤذي جيرانها؟ ألم تكن تقوم الليل وتصوم النهار ؟ أولست بجارك ؟ ألم تعلم أن مومساً دخلت الجنة لأنها رفعت أذى العطش عن كلبها ؟ ،قال سأستفتي شيخي ، فقلت هل أخذت بقوله في الدخان ؟ فابتسم وانصرف


كل هذا حصل لي في مسجد أوهامي ، أما مسجد حقيقة أيامي ، فأنا زعيم المتخلفين عن تكبيرة الإحرام وعن الصلاة، تشغلني الدنيا عن المصافحة فأخرج أطارد مصالحي مستعجلاً ، إلا ماندر ، فإن آذاني من بجانبي أتصبّر حتى تنقضي دقائق الصلاة ، فلربّما أجر صبري يعوّض تقصيري ، كما أنني أهرب من المناصحة فلربّما أتاني الشيطان فخلطت له نصيحة بتوبيخة ، إلا ذات مساء ، فحين وقفت أصلي المغرب وقف بجانبي رجل كأنه أغتسل ولم يتنشّف ، يغمر ماء الوضوء رأسه إلى قدميه ، بلل المسجد وبللني ، آذتني تسبيحاته وتكبيراته العالية فهو يصدح بها ، فقلت في نفسي ، هذه المره سأجبر نفسي على إخباره بقول الله " ولا تجهر بصلاتك ولاتخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " فرفع يديه يدعو بعد الصلاة مباشرة اللهم إني أعوذ بك من الوسواس و الجنون، فانصرفت بعد انتظار ، فلم يبق للنصيحة موضع !

مشاهدة واحدة (١)٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل