بحث

الرايخ الألماني

في القرن الماضي ، هجر الألمان الديمقراطية وصوّتوا لجنديٍ رغم علمهم أنه يقصي المخالفين ويحقد عليهم ، لأن عزف قيثارته أطرب مشاعرهم لا عقولهم فما كانت أغنيته ؟ وماذا نتعلّم من وصوله للحكم ؟


في ١١ نوفمبر ١٩١٨ إنتهت الحرب العالمية الأولى ، بتوقيع اتفاقية فرساي بشروطها المهينة للألمان، ودخلت ألمانيا في سنينها العجاف ، فعصف الفقر بهم لدفع فاتورة حربهم الأولى والتي تقدّر ب ٤٥٠ مليار يورو طبقا للقيمة الحالية للمبلغ ، وتحول الجندي الذي عرفت عنه الشجاعه في الحرب العالمية الأولى الى العمل السياسي ، واعتلى منصات الخطابة ليلهب الجماهير ، واستمر سنين طويلة يحمل مطرقة كراهيته الثقيلة باتهام اليهود والسلوفاك والاشتراكيين باسباب الدمار والفقر والفساد ويضرب بها أجراس ثقافة ألمانية أصيلة ، غرسها أدبائهم ومفكروهم وأجدادهم ، بان جسّدوا لهم النجاح " نصرٌ في معركة" والرجل الناجح "جندي شجاع" فكانت ثقافة الحرب المغروسة بهم مطيته التي اعتلاها بخطاباته وكانت ثقافتهم تربوا عليها أغنيةً رقصوا عليها صغارا ولا يملكون الا أن تطربهم كبارا ، رفع لهم هتلر إتفاقية الخزي منادياً لجيوشٍ فرقتها الهزيمة بصيحات المجد والعزيمة ، فكان له ما أراد وحصل على ٤٣،٩ ٪ من الأصوات ، لم يستطع الرئيس الألماني الإستمرار في رفض تعيينه كمستشار - لشكوكه في قبول الحزب النازي مبادئ الديموقراطية - لكن هذا الجندي الذي كان يعمل في إيصال الرسائل إلى جبهات الجيش في الحرب العالمية الأولى تولى السلطة تحت الضغوط ووصل إلى أعلى هرم السلطة ، ليُحرق البرلمان بعدها واتُّهم الحزب الشيوعي بتلك الجريمة و قتلت الديموقراطية وقُتل الكثير من خصومه السياسيين واستمر الحزب يحكم ألمانيا من ١٩٣٣ حتى ١٩٤٥ و تحولت خيوط قيثارة ذلك الجندي إلى مشانق علّقت للمناوئين وظهر، وجهه الحاقد بعد أن إنتهت صلاحية أقنعته التي جعلت الملايين تفسح له الطريق ، فبدأ بإكرام جيرانه بغزو بلادهم والسطو على مقدراتهم ، وقتل مثقفيهم كي لا تقوم لهم قائمة .


إن وصول هتلر لأعلى السلطة أمرٌ يتحمّل مسئوليته كل ألماني أطربته الطائفية وأنغام الإنتقام فكان مشاركاً أصيلاً في تلك الجرائم و ساهم بصنع ديكتاتور بطش به قبل أن يبطش بأكثر من 50 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية ،ولا يستثنى من تلك الجريمة كل من تشكك في جدوى الشورى والديموقراطية و ساهم في إعتلاء ديكتاتور يقصي المخالفين رأس سلطتهم ، ولنعلم أن السياسيون وبعض الأحزاب الألمانية قد باعت بلدها ولم يمانعوا أن يكون هتلر في السلطة من أجل كرسي وزارة أو منصب ووجاهة ،فهل هناك ما نتعلّمه من إفراد الألمان لجندي بكافة السلطات وترك العقول المفكّرة والعلماء الألمان الذين طوروا القنبلة النووية في أمريكا وأنهوا بها الحرب!؟


نعم ، فلكل من تتراقص في أذنه خطابات السياسيون ، ليتذكر كيف تراقص الألمان على أنغام هتلر، فلنحذر ممن يطربنا ولنسأل هل ينفعنا؟ والطبيب الناصح لا تعجبنا نصائحه وقد تؤذينا على المدى القصير ، لكنّها تحافظ علينا ويقال قديما" إسمع لمن يبكيك لا من يضحكك" ولنتعلّم أن التفرّد بالسلطة هو أشر الشرور ، فلنجعل مكاناً لمن يخالفنا ليصحّ جسد أمتنا ويتعافى ، وأن أشر من اعتلى السلطة من يحمل الحقد في قلبه ولا يتسامح فهو قادر على إنفاذ حقده ، فلنبحث عن تسامحه وإصغائه قبل أن نوصله .

لقد صوّتت ألمانيا الرايخ Deutsches Reich كما يسميها النازيون في حالةٍ من الضعف والفقر والهزيمة والإنكسار ، واختاروا عازف قيثارة يغني لهم أمجادهم التي حققوها في الرايخ الأول "الامبراطورية الرومانية" (962-1806) والرايخ الثاني "الإمبراطورية الألمانية الحديثة (1871-1918)" فوافقوا أن ينشئ لهم الرايخ الثالث لكن قراراتهم تلك قد جعلت إرتفاع مباني ألمانيا العالية تتساوى بارتفاع قبور أولادهم ال7 مليون ألماني الذين قتلوا في حربٍ لم يجدوا فيها نصرا ولا عزا.

٠ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل